من يصحو أبكر


عندما انتصف الليل ، كان مستلقياً على سريره ، متهدجاً في نومه ، غارقاً بين سحابات الأحلام ، تأخذه سحابةٌ ، لتلقي به على متن أخرى ، حوله سكون مطبق ، يفتح عيونه ، و يبصر زوجته ترفع الغطاء عن مكان نومها ، وتعاود النوم منهكةً بعد أداء أعمالها البيتية  ،لا يأبه و لا يهتم ، يلعق ريقه و يستردّ أحلامه ، .. يستيقظ على صوت المنبه المقيت ، يخرسه ثمّ يشرع في أخذ غفوة أخرى ، يسترعي انتباهه أنها غادرت المكان ،..

قال له تلميذه في المدرسة (مجدي ) غير مرّة : من يصحو أبكر يغنم أكثر .!! ظهرت على وجهه آثار انزعاج من استرجاع تلك الكلمات ، رفع الغطاء عن نفسه و استرق نظرةً للساعة بجانبه ، نهض جالساً ، مدليّاً قدميه ، تأفف و تمتم :

-من يصحو أبكر ،! آه..

دخل متأخراً عن موعده لأحد الصفوف، فبادره ذات الطالب ساخراً:

-أين أنت يا أستاذ ؟ لقد شارفت الحصّة على الانتهاء ..  أجابه متوعكاً :

-اخرس يا مجدي لو سمحت ، لن أحتمل المزيد منك ..

طرق الساعي باب الصف بأدبٍ جمّ ، و مشى حتى وصل إلى جانبه ثمّ همس له بصوتٍ خافت :

-لك زيارة يا أستاذ !

-من؟.

لا أدري . أظنه قال أنّ اسمه..!!!

نفر من مقعده و توجه إلى مكان وجود الزائر ، ظهر عليه توجسه ، و قبل أن يبدأ بالتخمين امتدت يدٌ إلى كتفه ،فاستدار فزعاً، انطلقت عندها بلهجةٍ خجوله كلمات سريعة :

-ما بك ؟ هل أفزعتك ؟أنا آسف ، أعرفك إلى نفسي ،أنا زميل زوجتك في العمل و اسمي

أدرك عندها خطورة الأمر ، فانهال عليه يستفسر مضطرباً:

-ما بها ؟ هل أصابها مكروه ؟ أين هي ؟ ..استجمع نفسه وروى بكلماتٍ بالكاد لملمها :

-تعرضت زوجتك..تعرضت..لاغتصابٍ عند قدومها للعمل.

توجه مسرعاً للمستشفى باحثاً عبر الممرات بين الغرف ، همهم بكل ما أوحي له من شتائم ،غطّت وجناته دمعاتٍ تساقطت مهرولةً ،عبر مقلتيه ، وجد غرفتها فانثنى عند رأسها ، و لم يستطع منع نفسه البكاء  و العويل ، رمى بخدّه فوق جبينها ، وغمغم مفجوعاً:

-لماذا يحدث لها ذلك ، لماذا؟

أمسكه الطبيب من ذراعه وشدّ ساعده حتى  استطاع أخذه بعيداً عن غرفتها ، حدّثه بصوتٍ  اختلط فيه الحياء بالحزن .

-هوّن عليك ، الشرطة تحقق في الحادث ، وهم ينتظرونك في غرفتي !!..

سار ملقياً بثقله على صدر الطبيب ضارباً كفّاً بالآخر.:

-لا حول ولا قوّة إلا بالله .

عاجله المحقق في غرفة التحقيق ، وناوله صورةً للمشتبه به ، و أردف :

-ألق نظرةً، يبدو صغيراً ، هل شاهدته من قبل ، شوهد يركض بعد أن لفّها بقماشةٍ بالية

………

هكذا هي حاله الآن ……

ينظر إليه الناس و يحوقلون ، غدا منظره مزرياً باعثاً على الإقياء ، ملابسه ممزقةٌ رثّة ، عيونه جاحظةٌ رماديّة الأجفان ، تغطيه الأوساخ و الأتربة من كل جانب ، يجلس على الرصيف المقابل لسجن الأحداث ، يمدّ يده و يحرّك رأسه للأسفل و الأعلى ،

ينادي و يزمجر و يصرخ ، ويكرر نداءاته بنقمة :

-اخرج لي ، تعال ، سأنتظرك حتى تخرج ، قلت لي "أنه يغنم أكثر " ، لقد غنمت ، لقد غنمت ..

 

 

عودة